يعرّف الابداع في اللغة بعدّة
دلالات لغوية,بدع الشيء يبدعه بدعا:أنشأه وبدأه,والبديع :الشيء الذي يكون
اولا,وابدعت الشيء اخترعته لا على مثال سابق. ومن هذه المعاني اللغوية
يتبين ان الابداع هو الاختراع والابتكار على وجه لم يسبق اليه احد,ومنه
قوله تعالى"بديع السموات والارض" ومن خلال هذا التحديد اللغوي يمكننا ان
نشتق منه تعريفا للابداع فهو: تنشئة الاطفال وإعدادهم على نحو يستطيعون في
مجال تخصصاتهم الإيجاد والابتكار والإتقان والتحسين. اما مفهوم التربية
الابداعية :


فهي
أن توجه التربية اهتمامها وأساليبها وأنشطتها ونتائجها إلى مجال
الإبداع،مع مراعاة خصائص وإمكانيات ومقوّمات كل من التربية وعمليات الإبداع
ودورها بالنسبة للفرد والمجتمع. أي أنها التربية في مجال الإبداع وما يمكن
أن يحدث بينهما من تفاعل ونشاط إيجابي متميز، مع توظيف خصائص الإبداع
ومقوماته لإثراء حياة الفرد والمجتمع الحاضرة والمستقبلية، وتنميتها،
وتطويرها لمواجهة ما يطرأ عليها من متغيرات ومواقف ومتطلبات، بأفضل صورة
ممكنة.ويرى البعض الآخر ان التربية الابداعية في جوهرها دعوة لتنمية
التفكير التباعدي(المتشعب)للطفل,لان التشعب في التفكير يساعد على حدوث
اتصالات جديدة بين الخلايا العصبية ويقودالعقل ليبتكر وصلات والتقاءات بين
خلايا الاعصاب ومن ثم فالتفكير المتشعب ينظر اليه الآن على انه تدريب لبناء
خلايا الاعصاب.ومن الملاحظ ان القيم التربوية والتنشئة الاجتماعية تختلف
حسب البنية الطبقية للطفل فكثيرا ما نرى ان آباءالطبقات الغنية والمتوسطة
يرغبون في استقلالية العقل اما آباء الطبقات الفقيرة يرغبون بقيم الطاعة
والخضوع .

والابداع
يتم على مراحل:

1-مرحلة
الاعداد والتحضير:وفيها يقوم المبدع بتحديد المشكلة والتفكير بحلول لها وهي
مرحلة فيها معاناة شاقة وطويلة وصبر وتأني, ويرى اديسون ان الابداع
والعبقرية (يعود في جزء منه الى الالهام وتسعة وتسعين جزءا منه الى الكدّ
والجهد المتواصل).

2-مرحلة
الحضانة والكمون: في هذه المرحلة يبدو الشخص كما لو انه نسي المشكلة بعد ما
أعياه التعب والتفكير والبحث العلمي لكن المشكلة تكون في اعماقه يعمل على
تمحيصها واعادةترتيبها وبلورتها حتى تصل الى النضج الكافي.

3- مرحلة الالهام او الاشراق: تأتي هذه المرحلة عندما يثب
الحل الى الى ذهن المبدع بعدما وصل الى النضج الكافي "وجدتها وجدتها!! ".

4- مرحلة التقويم :بعدما يكون المبدع قد توصل الى مرحلة
الاشراق يحتاج الحل الى اعادة النظر والصقل والترتيب والتهذيب ليصبح في
صورته المرضية.

الى متى
يمكن تعلم الابداع:

ان الوعي
أو التعلم الواعي يشتمل على الابداع لانه يتضمن فكرة القيام بعمل ما جديد
او وضع أشياء معا في طرق وأساليب جديدة كما انه يشتمل ايضا على افكار
جديدة,ويمكن تعلمه في أي وقت وفي أي عمر,فهو لايقيد بمكان أو موقف معين
ولامنهج دراسي بعينه انه يستمر طوال الحياة بشرط ان يكون هناك ظروف ملائمة
وتشجيع مستمر وصدى لهذا الابداع.ويؤكد تورانس على الدور الكبير والرئيسي
لتعلم التربية الابداعية من خلال دراساته الرائدة في هذا الصدد,حيث وجد أن
قدرات الابداع تنمو بالتدريج حتى الصف الرابع - اي حتى سن العاشرة- ثم
يتناقص بعد ذلك وقد علل تورانس ذلك بعدم الاهتمام بهذه القدرات وبعدم
ملاءمة أساليب التعليم في المدارس لتنمية التفكير الابداعي لأنها تركز على
تعليم القراءة والحساب وحفظ المعلومات بدون تمحيص ولا تشجيع على التعبير عن
افكاره الاصلية او الغريبة (غير المألوفة)فيتخلى عنها في سن العاشرة
مسايرا لاصحابه ومدرسيه ولايظهر تفوقه في القدرات الابداعية, وخير دليل على
ذلك المناهج الدراسية الجافة التقليدية فلا نرى طالبا مميزا قد أنتجته هذه
المناهج وحدها ان لم يكن هناك عوامل وظروف أخرى مساعدة وملائمة,فالزرعة
لاتنبت الا بوجود تربة مناسبة خصبة ملائمة لنوع البذرة وهي تحتاج لضوء
الشمس وللهواء فكيف بالانسان الكائن الرقيق نطلب منه الابداع وهو في بيئة
تقيّد الابداع.

ما العلاقة
بين الذكاء والابداع:

تجمع كثير
من الدراسات النفسية على ان الابداع والذكاء ليسا وجهان لعملة واحدة أو
مصطلحين مرادفين.فالمرونة والاصالة والطلاقة الفكرية سمات الشخص المبدع كما
تقيسها مقايس الابداع .ولكنها ليس بالضرورة أن تكون سمات الذكي. فمثلا قد
يتمتع الشخص بمستوى جيد من الذكاء لكنه ليس مبدعا،فالذي يدرك المعاني ويفهم
الامور بشكلها الصحيح ويؤدي المهارات التي تطلب منه بطريقة تنسجم مع
المعايير التقليدية المألوفة فهوذكي فقط لانه لم يخرج عن المألوف ولم يؤدي
العمل بطريقة فردية مختلفة عن الاخرين لكن هذا لايمنع أن يكون الذكي مبدعا
في بعض الامور,لكنه من المحتم ان يكون كل المبدعين اذكياء،فالعلاقة بين
الذكاء والابداع ايجابية لكنها ليست دائما.

العوامل المؤثرة في الابداع:

هناك عوامل عدة تؤثر في الابداع أهمها:

1- العوامل الوراثية :اظهرت دراسة الانساب أن الاسر
المعروفة بذكاء أفرادها غالبا ما ينتمون الى آباء وامهات أذكياء جدا ،في
دراسة لجولتون أكدت على أن للعظماء في العادة أقارب عظماء من آباء وأجداد
وأبناء وغير ذلك. وأظهرت دراسات أخرى بعض الاطفال الذين قد تم تبنيهم أنهم
يماثلون في ذكائهم آبائهم وأمهاتهم الذين انجبوهم (بانتقال الصفات الوراثية
)أكثر من والديهم الذين تبنوهم. وفي دراسة أجريت للتوائم تؤكد على زيادة
الارتباط بين التوائم المتماثلة أكثر من التوائم المتآخية فكلما قويت صلة
القرابة بين الافراد زاد التشابه بينهم في الذكاء. ودلت بعض التجارب التي
اجريت لضعاف العقول أن تحسين بيئة ضعاف العقول والاغبياء جدا لايغيّر من
نسبة ذكائهم ولايمكن أن نجعل من الغبي ذكيا مهما تحسنت الظروف, وان كان
هناك من يرى أنه ليس هناك من هو ذكي مطلقا وغبي مطلقا وهذا ما أكدته نظرية
الذكاءات المتعددة (هاورد جاردنر).

2- العوامل البيئية :أظهرت بعض الدراسات أن الحرمان الحسي
والعاطفي يخفض من قابلية الفرد الذهنية،وعلى العكس من ذلك فتوفير الظروف
المناسبة والمريحة تحسّن القابلية الذهنية للافراد, وتشير هذه الادلة الى
أن درجة الاعاقة مرتبطة ايجابيا بطول الفترة الزمنية التي يقضيها الطفل في
البيئة الفقيرة ,وتظهر الدراسات المعاكسة ان انتقال الفرد من بيئات
ومجتمعات متشددة في قيمها وطرق تعاملها الى بيئات جيدة يؤدي الى زيادة
وتعزيز النمو العقلي ،كما يؤدي تحسين الفرص التربوية للافراد الى زيادة
ذكائهم وتطوير قدراتهم العقلية. فبناء الجسم جيدا وطريقة الغذاء الصحية
تدخل تحت العوامل البيئية وكلنا يعرف ويردد العقل السليم في الجسم السليم.
واثبتت الدراسات ايضا ان من اسباب الكآبة سوء التغذية- خاصة في مرحلة
النمو- فهي تضعف وبدرجة كبيرة من صحة الطفل وقوامه ودرجة احتماله للمرض
ودرجة ذكائه, ومن الواضح أن سوء التغذية بات فيروسا منتشرا في أغلب دول
العالم ولايمكن التخلص منه بشكل كامل في ظل ارتفاع الاسعار,الا انه يمكننا
الوقاية منه قبل حدوثه مع أطفالنا الصغارمن خلال توفير المتطلبات الغذائية
في مرحلة الطفولة المبكرة,فالفترة الزمنية من سنة الى أربع سنوات تعتبر من
أكثر المراحل خطورة في حياة الطفل ذلك لان المتطلبات الغذائية في هذه
المرحلة تكون كبيرة جدا وهناك خطأ منتشر عند بعض الناس أن الغذاء الاهم في
هذا السن للطفل هواللبن والبيض وما يحتوي على الكلس فقط , وهذا خطأ فادح
فالحاجة تكون ماسة الى البروتينات و النشويات السكريات والخضروات
والفواكه..... فالسمك مثلا يفيد في ارتفاع نسبة الذكاء وتحسين
وظيفةالذاكرة,وحبة واحدة من الفاكهة أحادية أو ثنائية السكريات تفيد في
تنشيط عمل الذاكرة أيضا,وينصح أيضا بالزبيب واللوزأو الجوز( وهذا سر ذكاء
وقوة ذاكرة أجدادنا ترى الواحد منه قد بلغ الثمانين ويتكلم عن أشياء - حصلت
منذ خمسين سنة أو أكثر - بحذافيرها !) وفي حديثنا عن سوء التغذية لاننسى
أن نتكلم عن أهمية الرضاعة الطبيعية للطفل،فهناك بعض الامهات تعتمد على
ارضاع الطفل اللبن المجفف بحجة أن لبنها لايشبعه مما يجعل الطفل يترك ثدي
امه نهائيا وهذه عادة سيئة فان لبن الام - حتى ولو كان كالماء- ضروري لانه
يحتوي على جميع اصناف الطعام هذا أولا ثم انه يكسب الطفل مناعة لامراض
كثيرة وهذا ثانيا,بالاضافةالى الاتصال الجسدي بين الطفل وامه و تأثيره
النفسي على الطفل وعلى الوصلات الدماغية, فقد لوحظ بالتجربة انه كلما ابدعت
في اظهار مشاعرك الوالدية من معانقة وتربيت على الظهر وقبلة.... وغير ذلك
كلما ابدع طفلك في اظهار مواهبه وطاقاته,أضف الى ذلك نقل الصفات
الوراثيةلانه- وكما تشير بعض الدراسات- ان الخصائص الوراثية عند الطفل تكون
غير مكتملة لذلك تنصح الامهات بالهدوء والراحة واظهار الصفات الجيدة
وابداء الحب والعطف أثناء الرضاعة, فان أردت أن يصبح ولدك مثقفا فاقرأي
وانت ترضعيه فهو يتشرب حب المعرفة مع اللبن,وعلى العكس من ذلك فقد نرى أن
البعض الآخر من الامهات قد يبالغن بالارضاع الى ما بعد السنتين ويهملن
موضوع التغذية وتبريرهم في هذا أن لبني يحتوي على كل شيء واخاف ان اطعمته
يترك ثديي فنقول لا افراط ولا تفريط فارضعيه من ثديك وجبة وانتظر الى ان
يجوع واطعمه وجبة آخرى لما في تنويع الغذاء من اهمية بالغة ليس مجال ذكره
الآن.

3- السلامة النفسية :التي
تنطوي على مدى تقبل الاسرة والمجتمع للفرد من جهة وأفكاره الابداعية من
جهة أخرى دون أن يخاف من التعبير عن أفكاره المتباينة.

4- الحريةالفكرية:التي تمكّن الفرد المبدع من الوصول الى
المعرفة بطريقته الخاصة وزيادة وعيه الذاتي واستقلاليته.

ما هي السمات العامة للشخص المبدع؟ :

من المعروف أن الشخص المبدع يجب أن يتصف بخصائص عدة أهمها :

أ- الحساسية: لما كان التنميط الا جتماعي قد جعل بعض الصفات
قاصرة على جنس واحد وعلى أشخاص معينين فهذه الصفة من حظ الاناث ولاحقّ
للذكور بامتلاكها والا وصفناهم بانهم مخنثين,وهكذا فاننا قتلنا الابداع عند
الطفل بعدم سماحنا له ان يتصف بهذه الصفة.

ب - الاستقلالية: فهنا العدل!!!فهذ الصفة ذكورية بحتة في
اسرنا التقليدية،فان حاولت الفتاة الاعتماد على نفسها- في شراء شيء معين من
السوق - والاستقلالية قيل لها أنت ولد أم بنت؟ هذه أعمال الرجال! والسؤال
ان لم يكن هناك ذكورفهل سيتغاضون عن الصاق صفةالاستقلالية بالبنات ام
سيحاولوا أن ينجبوا ذكر من أجل هذه المهمة؟!

ج- الاصالة :أي أن الشخص المبدع المتصف بهذه الصفة يمكنه أن
يستحضر أفكار متميزة ويحقق شروطا معينة في موقف ما .

د- الطلاقة :وتنطوي على سرعة انتاج الافكار التي ترتبط
بموقف ما وتستوفي شروطا معينة يحددها هذا الموقف.

ه- المرونة: وهي القدرة على انتاج أكبر عدد من البدائل أو
الافكار ذات الصلة بالمشكلة التي تستدعي هذه الافكار وتفيد في حلها.

ن- الانطلاق(الانفتاح الاجتماعي):فالطفل بحاجة الى التقبّل,
حيث يميل الى الشعور بأنه مقبول ومرغوب به ممن حوله, ويهدد هذه الحاجة
شعوره بانه غير مرغوب فيه, في نفس الوقت يحتاج الطفل الى الانتماء لللآخرين
والتفاعل معهم, وان هددت هذه الحاجة ايضا قد يهدد سلوكه الاجتماعي فيميل
الى الانطواء والوحدة،وتبين الدراسات أن تنشئة الأطفال في جو من الحنان
وعلى أيدي آباءعطوفين لها أهمية عظمى في مساعدتهم على أن يشبّوا على الشعور
بالمسؤولية الاجتماعية.والانفتاح الاجتماعي عند الطفل دليل على سلامته
النفسية وعدم تمركزه حول ذاته وانطواءه على نفسه.

و - الثقة بالنفس: الطفل الايجابي هو الذي يثق بنفسه
وقدراته, لذا علينا أن نعلّم الطفل بأنه يمكن أن يفعل كذا وكذا ونبتعد قدر
الامكان عن الامر والنهي والسخرية ونستخدم عبارات التشجيع مثلا أنا على ثقة
بأنك تستطيع أن تفعل أفضل من هذا،هيا جرب هذه المرة...... وكما قلنا
الابداع هو ابتكار شيء غير مألوف وهنا يأتي دور الثقة بالنفس بأن يفعل
الطفل الآراء التي يكون مقتنعا بها وان خالفت آراء الوالدين والمعلمين
والآخرين بدون خوف ولاأدنى تردد.

كيف يمكننا تعليم الابداع؟ :هناك وسائل كثيرة ومختلفة
لتعليم الابداع نذكربعضها وبايجاز:

1- اتاحة الفرص أمام الطفل للاسهام في حل في حل مشكلاته
الخاصة من خلال اعتماده على نفسه.

2- تنمية خيال الاطفال بطريقة سليمة،فالخيال الانساني مسؤول
عن كل الاعمال الابتكارية في حياة البشر (فالطيارة يوما ما كانت خيالا أو
حلما) واول من حاول ان يحوّلها الى حقيقة المبدع العربي عباس بن فرناس!